عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

40

معارج التفكر ودقائق التدبر

( 2 ) وقول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( السجدة / 32 مصحف / 75 نزول ) بشأن القرآن : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ( 3 ) . حملوا كلمة قَوْماً في ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ على أنّها حرف نفي على ما تبادر إلى أذهانهم . مع أنّ هذين النّصّين يجب فهمهما بما يتطابق مع دلالات النصوص الواضحات ، الّتي سبق ذكرها وتدبّرها تحت عنوان « أدلّة القول بالإثبات » . إنّ كلمة نَذِيرٍ تأتي في اللّغة مصدرا بمعنى « الإنذار » . وتأتي بمعنى « المنذر » . وانسجاما مع مختلف النصوص ينبغي حمل الكلمة في نصّي ( القصص ) ( والسجدة ) ، على معنى « الإنذار » فيكون المعنى فيهما كما يلي : لتنذر قوما الّذي آتاهم من إنذار من قبلك ، لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * كما جاء في ( القصص ) و لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ كما جاء في ( السجدة ) . وإنذارك لهم يكون بمثابة المنبّه لهم من غفلاتهم ، كما جاء في سورة ( يس ) . أمّا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( سبأ / 34 مصحف / 58 نزول ) بشأن كبراء كفّار مكّة في المرحلة المكيّة من دعوة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 43 ) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ( 44 ) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ( 45 ) . فظاهر فيه أن الآية ( 44 ) هي من توابع أقوالهم ، فهم يفترون على اللّه بأنّهم ما أتاهم قبل محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم من نذير ، ولهذا أتبع اللّه عز وجل